الأربعاء، 17 مارس، 2010

من وحي البحر



في أحدى الأيام جلست على رمال أحدى الشواطئ الهادئة و نظرت إلى البحر متأملة و مدققة.

 
عيني تتابع كل موجة و هي ترسو على الشاطئ، فكل موجة تصل إلى الشاطئ لا تأتي مرة أخرى لقد ابتلعها


الشاطئ، بصرف النظر عن نوع تلك الموجة، فقد تتباين أمواج البحر،



ففي بعض اللحظات تكون أمواج هادئة ساكنة ترسو في هدوء و لطف على الشاطئ، و فجأة تأتي الموجة التالية



عالية شديدة ترتطم بشدة محدثة ضجة و هكذا يستمر البحر بين الهدوء و العاصفة.



و الناس في قلب البحر يلعبون و يمرحون و لا يبالون.



عندها تذكرت واقعنا المتأرجح بين العسر واليسر، بين الأفراح و الابتلاءات.

 
فكل موجة من أمواج البحر تمثل يوم من أيام الحياة المتقلبة، و الشاطئ و هو يبتلع الأمواج يمثل الزمن و هو يبتلع



أيام العمر،

 

أما صوت الموج فبمثابة النذير الذي يبعثه الله لنا و لكن بدون اتعاظ، فمازال الناس وسط أمواج البحر مع ارتفاع

الصوت.

بينما الرمال الصفراء الناعمة ذكرتني بالنفس البشرية خلقت على الفطرة، و لكن عندما تتعامد الشمس على



الرمال تتحول إلى جمر محرق تحرق كل من يقترب منها، و عندما تميل الشمس و يصفو الجو تصبح الرمال دافئة



ساحرة.



أما منظر البحر بمجمله من الخارج يمثل زيف الدنيا، فكم ابتلع البحر من أطفال و رجال و نساء؟

 
و مع ذلك يستمرون في الإقبال عليه كل عام في نفس الميعاد.
 

و طبعا إذا نظرت إلى عكرة البحر فسأتذكر سريعا المفسدون من بني البشر و ما قاموا به من إفساد و تخريب،



بينما تذكرني رغوة البحر البيضاء بشياطين الإنس و الجن لونها أبيض لكن مذاقها مر.



أما رمال البحر فهي بمثابة الإيمان و القرب من الله فعندما نطأ بأرجلنا هذه الرمال نشعر بالأمان و لكن عندما نغفل



و نعاند و نتعمق في البحر بدون شعور سرعان ما نهوى بلا منقذ غير الرجوع إلى الله.



وأخيرا ذكرني المد و الجزر بسياسة الدنيا معنا فهي تبتسم لنا لنقبل عليها ثم بعد ذلك تكشر عن أنيابها لتعلمنا



درسا لا ننساه أبدا و مع ذلك ننساه سريعا عندما تعاود ابتسامتها الساحرة-إلا من رحم ربي-.



و هنا أطلق حارس الشاطئ صفارته بشدة لينذر الجميع بأن الجزر ازداد و الأمواج بدت عالية فعلى الجميع إخلاء
البحر حالا لأنه لم يعد آمن...



سلمى ساجدة للرحمان

الأربعاء، 3 مارس، 2010

على هامش الحياة



أصوات متداخلة، أمواج متضاربة، أفكار مشوشة، مشاعر حائرة، أحلام ضائعة، عيون دامعة، ابتسامة تائهة، كتب ممزقة، سلوكيات متناقضة، أبواب مغلقة، شوارع مزدحمة، قلوب يائسة، أجساد مجهدة، نوافذ مفتوحة، إرادة حديدية، عقول عملية، أحاسيس باردة، أوقات مشغولة، أوراق مفقودة، هوايات مهجورة، علاقات مقطوعة، أمجاد غائبة...
هذه هي حياتنا بكل لحظاتها السعيدة والحزينة الناجحة والفاشلة،نستيقظ من النوم لنلعب دورنا في الحياة قصير كان أو طويل، مهم أو غير ذلك، و لكن يجب أن يبدأ اليوم الجديد سواء كنا مستعدين لبدأه أو غير مستعدين.
على العموم فقد بدأ اليوم و أخذ الجميع دوره و بدأت عقارب الساعة في التحرك و انهمك الجميع ومر الوقت تلو الوقت و الكل مازال يمارس دوره الذي يختلف عن الآخر؛ فهذا نائم، وذاك غافل، و آخر ساجد، وغيره منهمك في عمل حقيقي يبحث عن المال عن الشهرة عن الأنا وحسب،
وهناك آخر يعمل و يجد ويعبد ويبحث عن نوافذ مفتوحة ليعبر منها إلى ما يريد بعدما أغلقت في وجهه كل الأبواب و يعبر بإرادة حديدية ليعيد الأمجاد الغائبة.
ومع كل هذا الاهتمام و الحرص رغم كل النجاح و سمو الأهداف سواء كانت شخصية أو جماعية، و مع استمرار مرور الوقت نكتشف أننا فقدنا الكثير و الكثير أثناء زحمة اليوم،
فوضعنا أشياء كثيرة على هامش حياتنا بدون النظر إلى أولويتها أو حتى أهميتها لنا، فقد افترضنا أنها أشياء هامشية لا قيمة لها و بعد ذلك تسائلنا في دهشة شديدة ما سبب هذه الأفكار المشوشة و الأحاسيس الباردة.
عندما لا نستطيع أن نميز بين الغالي و الرخيص، بين الأصيل و المصطنع لا بد أن يختلط علينا الأمر و لا نستطع أن نميز بين ما يجب أن يكون على الهامش، و ما لا يجب أن يكون.
و للأسف الشديد لا ندرك قيمة هذه الأشياء في حياتنا إلا بعد فوات الأوان، بعدما نكتشف أن ما كان يميزنا هو وجود هذه الأشياء في حياتنا، وأن قدرنا الحقيقي و مشاعرنا الزائفة قد انجلت واضحة بفقداننا لهذه الأشياء التي همشناها بأيدينا.
فيجب علينا ألا نندهش ولا نتساءل مثلما تساءلت هذه السبحة البلهاء المصنوعة من أجود أنواع الأحجار الكريمة،
لماذا زهدني الناس و لم يعد يسحرهم جمالي؟!
أيتها البلهاء لقد خدعك غرورك، كان الناس يسعون إليكِ عندما كنتِ سبحة مترابطة بهذا الخيط الجميل، أما الآن فأنتِ لستِ سوى حبات منفرطة من الأحجار بعدما بلى الخيط الذي طالما استهزئتي به، أصبحتِ عديمة الفائدة لا قيمة لك، فلا فائدة من الدهشة ولا قيمة من التساؤل بدون أن ندرك الدرس.
فما أتلفناه بأنفسنا يجب أن نصلحه بأنفسنا قبل أن نفقد كل شيء، فيكفي ما فقدناه و لنتذكر أن الحياة لا تنتظر أحد و الزمن لا يتوقف لأحد، فلنسرع في فتح الأبواب المغلقة و البحث عن الأوراق المفقودة في حياتنا، و نصلح العلاقات المقطوعة، و نحول هواياتنا المهجورة إلى هوايات حقيقية تسكن كل وجداننا، و لنجعل قلوبنا تنبض بأحلامنا اليافعة، ولنجفف دموعنا ونجمع قوتنا لنعيد تجميع الكتب الممزقة، و نقرأ فيها ما خطه أجدادنا في بطون هذه الكتب و نتعلم منهم ما هو الفرق بين النفيس والرث، بين الصديق و العدو، بين العريق والحديث، بين الباقي والفاني.
سنتعلم أن أهمية الأشياء ليست بحجمها و لكن بقيمتها و مدى إيماننا بها، و أن الإنسان الأصيل ليس لحياته هوامش تذكر ومن أصر على تهميش أشياء في حياته كنتيجة لأوقاته المشغولة فليتأنى في اختيار ما هو جدير بالتهميش، و ليتذكر دائما أن حياتنا من صنع أيدينا فلنتحمل نتيجة صنيعنا.



سلمى ساجدة للرحمان